أحمد أمين
22
كتاب الأخلاق
وما أبعد عن الصواب المذهب القديم القائل : « بأن الحيوانات تصدر أعمالها عن غرائزها ، أما الإنسان فتصدر أعماله عن عقله » . والحق أن الإنسان يعمل عن غريزته وعقله معا ، ولا يمكن انفصال أحدهما عن الآخر ، فالغريزة تعين الغاية المطلوبة ، والعقل يوجد الوسائل لتحصيل تلك الغاية . تربية الغريزة : الغريزة قابلة لأن تثبت وتنمى بالتربية ، كما أنها قابلة لأن تضعف ، بل تفنى بالإهمال ، وليست الغريزة من الثبات بحيث لا تنمحي ولا تضعف ، فكثيرا ما يرث الإنسان استعدادا خاصا ثم يفقده لأنه لم يتم في الوقت المناسب ، كالأوز والبط ، فقد ذكر أنه إذا أبعد عن الماء - بعد الفقس - بضعة أشهر يفقد ميله الغريزي إلى الماء ، بل يخاف منه . الغرائز : هي المادة الأولى التي تتكون منها الأخلاق ، ولكنها مادة ساذجة لا يصح أن تهمل وتترك على طبيعتها ، ولا أن تحطم وتسحق ، بل يجب أن تربى وتهذب ، وتربيتها بمقاومة البواعث التي تبعثها الغريزة ، ومنعها أحيانا والترحيب بها وتشجيعها أحيانا أخرى ؛ فالناشىء الكثير الحركة اللعوب يجب أن يقاوم ميله حتى يعتدل ، كما يجب تشجيع الميل إلى الحركة واللعب عند الناشئ الهادىء هدوءا أكثر مما ينبغي . وهنا يرد علينا هذا السؤال : متى تشجع البواعث ومتى تقاوم ؟ والجواب عن ذلك : أن العمل الذي تبعث عليه الغريزة إذا كانت نتائجه حسنة ، فالباعث عليه يجب أن يشجع والعمل يجب أن يكرر ، وإذا كانت نتائجه سيئة وجب أن يقاوم الباعث عليه ، ولا يسمح بتكراره . وكل أنواع المثوبة والعقوبة - من أبسط أشكالها إلى أقصى درجاتها - مبنية على هذه النظرية ، نظرية تشجيع الباعث على الخير وردع الباعث على الشر . إن الغرائز تختلف عند الناس اختلافا كبيرا كما قدمنا ؛ فقد يمنح إنسان قوة في إحدى الغرائز وضعفا في أخرى ، على حين أن آخر قد قوي عنده من الغرائز ما ضعف عند الآخر . وعند كثير من الناشئين استعداد غريزي للنبوغ في فرع من